أخبار دوليةزاوية الرأي

من نوفا سكوشا إلى تورونتو… هل أصبح العنف المسلح والعنف الرقمي تحديا متصاعدا في كندا؟

لم يكن إطلاق النار الذي هز مدينة تورونتو، يومه السبت 11 يوليوز الجاري، خلال مهرجان “السالسا” سوى أحدث حلقة في سلسلة من حوادث العنف المسلح التي شهدتها كندا خلال السنوات الأخيرة. فقد أسفر الهجوم عن مقتل شخصين وإصابة أربعة آخرين على الأقل، بينما لا يزال منفذ الهجوم فارا، في حادث وقع وسط فعالية جماهيرية كان يفترض أن تكون مناسبة للاحتفال والتعايش.

وأعلنت شرطة تورونتو أنها عثرت في مكان الحادث على ستة أشخاص مصابين بطلقات نارية، توفي اثنان منهم متأثرين بإصاباتهما، فيما تواصل السلطات تحقيقاتها لتحديد ملابسات الجريمة ودوافعها.

غير أن ما شهدته تورونتو لا يبدو حادثا استثنائيا إذا ما وضع في سياق ما عرفته كندا خلال الأعوام الستة الماضية، أي بين 2020 و2026.

ففي أبريل 2020، شهدت مقاطعة نوفا سكوشا أسوأ عملية إطلاق نار جماعي في تاريخ كندا الحديث، بعدما قتل 22 شخصا في هجمات امتدت لساعات عبر عدة مناطق، وهو الحادث الذي دفع السلطات إلى فتح تحقيق وطني واسع وإعادة النظر في عدد من السياسات الأمنية.

وفي يونيو 2022، هاجم مسلحان أحد البنوك في مدينة سانيتش بمقاطعة كولومبيا البريطانية، قبل أن يقتلا خلال تبادل لإطلاق النار مع الشرطة، فيما أصيب ستة من عناصرها.

كما شهدت مدينة فوغان في أونتاريو، في دجنبر من العام نفسه، مقتل خمسة أشخاص داخل مجمع سكني بسبب نزاع محلي، بينما عرفت السنوات اللاحقة حوادث إطلاق نار متكررة في مدن مثل أوتاوا وميسيساغا وإدمونتون وتورونتو وبرامبتون ووايت روك، ارتبط كثير منها بالجريمة المنظمة أو الخلافات الشخصية.

وفي فبراير 2026، هز كندا حادث آخر بالغ الخطورة في بلدة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث أسفر إطلاق نار استهدف مدرسة ومنزلا عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 27 آخرين، في واحدة من أكثر الجرائم دموية منذ سنوات.

وتظهر هذه الوقائع أن حوادث إطلاق النار لم تعد أحداثا نادرة أو استثنائية، بل أصبحت تتكرر بوتيرة تثير القلق، حتى وإن اختلفت دوافعها وخلفياتها. وتشير بيانات منشورة إلى أن العنف المسلح، رغم تسجيله انخفاضا طفيفا خلال عام 2024، لا يزال أعلى بشكل ملحوظ مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن.

ورغم ما تمتلكه كندا من مؤسسات أمنية متطورة وإمكانات مالية وتشريعية كبيرة، فإن تكرار هذه الحوادث أعاد فتح النقاش حول مدى فعالية السياسات الأمنية وآليات إنفاذ القانون، وحول قدرة السلطات على مواكبة التحولات التي تشهدها الجريمة المنظمة والعنف المسلح.

وفي السياق نفسه، يمكن طرح بعض التساؤلات التي تتجاوز الجرائم المسلحة لتشمل كيفية تعامل السلطات مع أشكال أخرى من السلوك الإجرامي، مثل التهديد، والتحريض، والتشهير، وكشف البيانات الشخصية، خاصة عندما يكون مرتكبوها يقيمون داخل الأراضي الكندية.

وفي هذا الإطار، تثار قضية النصاب هشام جيراندو بوصفها مثالا حيا لمن يخرق القوانين بكل حرية ويظل دون عقاب. فالرجل يقيم في كندا، وقد صدر بحقه حكم من محكمة في كيبيك في قضية تشهير، كما صدر بحقه حكم غيابي في المغرب في قضايا تتعلق، بحسب السلطات المغربية، بالتحريض على الإرهاب وإطلاق التهديدات. إن استمرار إقامته في كندا يثير تساؤلات حول كيفية تعامل السلطات مع بعض الملفات العابرة للحدود.

وبغض النظر عن اختلاف طبيعة هذه الملفات، فإنها تعكس تحديا يتمثل في تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وضمان التطبيق الصارم للقانون وحماية الأمن العام من جهة أخرى.

ويبقى حادث تورونتو الأخير تذكيرا بأن قضية الأمن أصبحت تحتل موقعا متقدما في النقاش العام الكندي، وأن تكرار أعمال العنف المسلح يدفع إلى المطالبة بمراجعة السياسات الأمنية وتعزيز فعالية مؤسسات إنفاذ القانون، بما يحد من تكرار هذه المآسي ويعزز شعور المواطنين بالأمن.

مشاهدة المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى