الخيار الثالث… حين يتحول شعار جماعة العدل والإحسان إلى ملاذ للهروب من السياسة

كلما اقترب موعد الانتخابات، يتكرر المشهد نفسه بلا تغيير: تخرج جماعة العدل والإحسان من صمتها، ويطل علينا الناطق غير الرسمي لها حسن بناجح بالخطاب ذاته، والمصطلحات ذاتها، واليقين نفسه بأن الانتخابات ليست سوى “مسرحية سياسية”. والمفارقة أن الجماعة التي تزعم أنها لا تعترف بهذه “المسرحية” تجعل منها محور خطابها في كل استحقاق انتخابي، وكأنها لا تستطيع أن تحافظ على حضورها السياسي إلا من خلال الحدث الذي تنفي عنه أي شرعية.
وهنا يبرز السؤال الذي لم تستطع الجماعة الإجابة عنه منذ عقود: إذا كانت الانتخابات بلا قيمة، والمؤسسات بلا شرعية، والأحزاب مجرد “ديكور”، فما هو البديل؟ ليس الشعار، بل المشروع. ليس الخطابة، بل البرنامج. وليس الأمنيات، بل الآليات العملية التي يمكن أن تقنع المواطنين. أربعون عاما من البيانات والبلاغات والانتقادات لم تنتج تصورا سياسيا قابلا للتطبيق، ولم تقدم للمغاربة خريطة طريق واضحة، بل كررت خطابا دائريا يعيد إنتاج نفسه في كل محطة، حتى أصبح أشبه بطقس موسمي أكثر منه مشروعا للتغيير.
ولعل أكثر ما يكشف هذا المأزق هو محاولة صناعة معارك وهمية للهروب من السؤال الحقيقي. فعندما يطرح على الجماعة سبب رفضها المشاركة السياسية، يقال: “وهل المطلوب أن نقوم بالثورة؟” وكأن الخيارات السياسية لا تختزل إلا في صندوق الاقتراع أو المواجهة العنيفة. والحال أن لا أحد يفرض هذه الثنائية، وإنما تصنعها الجماعة بنفسها لتتجنب مواجهة السؤال الأصعب: كيف يمكن لمن يرفض الانتخابات والدستور والمؤسسات والأحزاب أن يحقق الإصلاح الذي يتحدث عنه؟ وما المقصود أصلا بذلك “الخيار الثالث” إذا ظل مجرد عنوان كبير بلا مضمون مؤسساتي، ولا برنامج زمني، ولا تصور عملي لإدارة الشأن العام؟
إن السياسة ليست ترفا خطابيا، ولا رياضة في إطلاق الأحكام، وإنما مسؤولية ومحاسبة واختبار شعبي. والسياسي الحقيقي هو من ينزل إلى الميدان، ويعرض مشروعه على المواطنين، ثم يقبل بنتيجة حكمهم، سواء جاءت لصالحه أو ضده. أما الاكتفاء بالوقوف خارج المؤسسات، مع التعليق الدائم على كل ما يجري داخلها، فهو وضع مريح لا يترتب عليه أي ثمن سياسي. فمن يرفض المشاركة لا يربح ولا يخسر، ولا يسأل عن حصيلة، ولا يحاسب على برنامج، ثم يعود بعد كل استحقاق ليقول إنه كان يحذر وينبه. وهذا الدور يمكن لأي مراقب أن يؤديه، لكنه لا يصنع قيادة سياسية، ولا يبني مشروع دولة.
والمغاربة اليوم لم يعودوا يبحثون عن الشعارات الرنانة ولا عن الوعود المؤجلة، بقدر ما يبحثون عن حلول واقعية لمعضلات التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية. وهذه الملفات لا تحل بالبيانات الموسمية، ولا بالوقفات أمام البرلمان أو النزول إلى الشارع للتضامن مع فلسطين في كل جمعة ولا بالتشكيك الدائم في كل المؤسسات، وإنما بالنقاش العمومي، والاقتراح، والمشاركة، وتحمل المسؤولية. لذلك يبدو أن الجماعة تدرك أن النزول إلى ساحة المنافسة السياسية سيضع خطابها أمام اختبار الواقع، وهو الاختبار الذي لا يمكن تجاوزه بالبلاغة ولا بالشعارات.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائما بإلحاح: إذا كنتم تعتبرون الانتخابات فاقدة للشرعية، فلماذا تتحولون مع كل موسم انتخابي إلى أكثر الأطراف انشغالا بها؟ وإذا كانت المؤسسات لا تمثل شيئا، فلماذا تسعون إلى التأثير في الرأي العام كلما تجددت شرعيتها عبر صناديق الاقتراع؟ الحقيقة أن الانتخابات، مهما اختلفت المواقف منها، تظل اللحظة الوحيدة التي يقاس فيها الوزن الحقيقي للفاعلين السياسيين أمام المواطنين. أما البقاء في منطقة الرفض الدائم، دون تقديم بديل قابل للاختبار، فلا يصنع مشروعا سياسيا، بل يكرس عزلة فكرية تتغذى من نقد الواقع أكثر مما تمتلك القدرة على تغييره.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الشعار إلى منطق المشروع، ومن الاكتفاء بنقد المؤسسات إلى تقديم بديل قابل للمساءلة. فالتاريخ السياسي لا يكتبه من يقف دائما خارج الملعب، بل يكتبه أولئك الذين يقبلون دخول الميدان، ويتحملون مسؤولية قراراتهم أمام الشعب.






