أخبار المغرب

من المقاربة الأمنية إلى التأثير الدبلوماسي: دراسة في توسع دور المغرب داخل منظومات التعاون الاستخباراتي الدولي ومكافحة الجريمة المنظمة

شهدت السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولا لافتا في طريقة توظيف البعد الأمني داخل علاقاتها الدولية، حيث لم يعد الأمن يُختزل فقط في حماية الحدود أو مواجهة التهديدات الداخلية، بل أصبح أداة دبلوماسية واستراتيجية تمنح المغرب موقعا متقدما داخل شبكات التعاون الدولي، خصوصا في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والأمن السيبراني.

ويأتي هذا التحول في سياق دولي يتسم بتعاظم المخاطر العابرة للحدود، من تصاعد نشاط التنظيمات المتطرفة إلى توسع شبكات الاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر، إضافة إلى تنامي التهديدات المرتبطة بالتكنولوجيا والفضاء الرقمي. وفي ظل هذه التحولات، عمل المغرب على إعادة بناء حضوره الأمني الخارجي انطلاقا من موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة وصل بين أوروبا وإفريقيا، وبين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وهو موقع يضعه في قلب مسارات الهجرة الدولية وشبكات التهريب العابرة للقارات، فضلا عن ارتباطه المباشر بالتحولات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء.

ومن هذا المنطلق، اتجهت المقاربة المغربية نحو توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي مع عدد من الشركاء الدوليين، بحيث لم يعد الأمر يقتصر على التنسيق الظرفي أو تبادل المعلومات، بل أصبح يشمل مجالات أكثر اتساعا مثل التكوين الأمني، والتعاون التقني، وتطوير أنظمة المراقبة، والتنسيق العملياتي، والمشاركة في المنتديات والمؤسسات الأمنية الدولية.

وفي هذا السياق، برزت التحركات الخارجية للمدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي باعتبارها أحد أبرز تجليات هذا التوجه، حيث تكثفت اللقاءات الثنائية ومتعددة الأطراف التي جمعت المغرب بعدد من القوى الدولية والإقليمية.

ففي سنة 2022، أجرى حموشي زيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عقد خلالها اجتماعات مع مسؤولين في أجهزة الاستخبارات والأمن الأمريكية، وتركزت المباحثات حول التنسيق المرتبط بمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء، خاصة في ظل تزايد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات تهريب السلاح والهجرة غير النظامية، وهي ملفات باتت تحظى بأولوية متزايدة لدى العواصم الغربية.

وخلال السنة نفسها، شارك المغرب في التحضيرات الأمنية المرتبطة بتنظيم كأس العالم بقطر، حيث شكلت زيارة حموشي للدوحة محطة مهمة للاطلاع على آليات تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى، في سياق بدأ فيه المغرب الاستعداد مبكرا للرهانات الأمنية المرتبطة بتنظيم مونديال 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وما يفرضه ذلك من تحديات مرتبطة بحركة الجماهير وتأمين البنيات التحتية والتنسيق الاستخباراتي العابر للحدود.

ومع سنة 2024، اتسع نطاق هذا الحضور الأمني المغربي داخل الفضاء الأوروبي، من خلال مباحثات مع مسؤولين أمنيين بألمانيا حول تأمين بطولة “يورو 2024″، خاصة في ما يتعلق بمواجهة التهديدات الإرهابية وتبادل الخبرات المرتبطة بإدارة التظاهرات الكبرى. كما عزز المغرب حضوره داخل منظمة الشرطة الجنائية الدولية “الأنتربول”، عبر مشاركته في الدورة الثانية والتسعين للجمعية العامة للمنظمة بمدينة غلاسكو.

أما سنة 2025، فقد عرفت انتقال التعاون الأمني المغربي إلى مستوى أكثر ارتباطا بالأمن الرياضي الدولي، حيث شارك المغرب في اجتماع أمني ثلاثي بمدريد جمع مسؤولين أمنيين مغاربة وإسبان وألمان لبحث ترتيبات تأمين كأس العالم 2030، وهو ما عكس مبكرا حجم التنسيق المنتظر بين الدول المنظمة في ظل التعقيدات المرتبطة بالتدفقات البشرية والتنقلات العابرة للحدود.

وخلال السنة نفسها، احتضنت مدينة مراكش الدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة للأنتربول، في خطوة عكست المكانة التي أصبح يحتلها المغرب داخل فضاءات التعاون الأمني الدولي، كما شكلت المناسبة منصة لمناقشة قضايا الإرهاب والجريمة السيبرانية والاتجار بالبشر والمخدرات، إضافة إلى التحديات التي يفرضها توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة داخل الشبكات الإجرامية.

وفي سنة 2026، أخذت هذه الدينامية بعدا أكثر اتساعا، من خلال تحركات أمنية شملت عددا من الدول، من بينها السعودية والسويد والنمسا وتركيا، بما يعكس تنامي شبكة الشراكات الأمنية والاستخباراتية المغربية.

ففي الرياض، شارك الوفد المغربي في معرض الدفاع العالمي، حيث تم التركيز على الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الأمنية الحديثة وأنظمة المراقبة الذكية، في ظل التحول المتزايد نحو توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في تدبير المخاطر الأمنية.

كما أسفرت زيارة العمل إلى السويد عن توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الأمني تشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والجريمة السيبرانية، إلى جانب طرح فكرة انضمام المغرب إلى الشبكة الأوروبية الخاصة بتعقب الأشخاص المبحوث عنهم، وهو ما يعكس تنامي الثقة الأوروبية في المنظومة الأمنية المغربية.

ويرتبط هذا الحضور الأمني المتزايد أيضا بالدور الذي أصبح يؤديه المغرب داخل الممرات البحرية والجوية الدولية، خاصة في ظل موقعه ضمن المسارات التي تستغلها شبكات تهريب الكوكايين القادمة من أمريكا اللاتينية نحو أوروبا عبر غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي. وقد ساهمت المعطيات الاستخباراتية المغربية خلال السنوات الأخيرة في عدد من العمليات المرتبطة بحجز شحنات مخدرات وتفكيك شبكات تهريب دولية.

وفي هذا الإطار، أصبحت البنيات التحتية الاستراتيجية للمغرب، مثل ميناء طنجة المتوسط ومطار محمد الخامس الدولي، جزءا أساسيا من منظومة المراقبة الدولية المرتبطة بحركة التجارة والتنقلات العابرة للقارات، بالنظر إلى موقعهما داخل شبكات الربط البحري والجوي بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.

كما شارك المغرب خلال ماي 2026 في الاجتماع الجهوي للأجهزة الاستخباراتية والمؤسسات الأمنية بفيينا تحت إشراف الأمم المتحدة، حيث ناقشت الوفود المشاركة قضايا الإرهاب والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وتبييض الأموال والجريمة المنظمة، قبل أن يواصل الوفد المغربي حضوره الدولي بالمشاركة في معرض الصناعات الدفاعية والطيران والفضاء بمدينة إسطنبول، لبحث مجالات التعاون المرتبطة بالتجهيزات الذكية والتكنولوجيا الأمنية الحديثة.

وبصورة عامة، تكشف هذه التحركات عن تحول واضح في طبيعة السياسة الخارجية المغربية، حيث أصبح الأمن يشكل أحد أبرز أدوات الحضور الدولي للمملكة، ليس فقط باعتباره آلية لحماية الاستقرار الداخلي، وإنما أيضا كوسيلة لتعزيز الشراكات الاستراتيجية، وتوسيع النفوذ الدبلوماسي، وإعادة تموقع المغرب داخل التوازنات الأمنية الإقليمية والدولية.

مشاهدة المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى