أخبار المغربزاوية الرأي

لماذا كل هذا الهوس بقدرات المغرب الاستخباراتية ؟

في السياسة الدولية، لا تقاس الأفعال دائما بمعيار واحد، بل كثيرا ما تقاس بهوية من يقوم بها. ولعل ملف الاستخبارات والتجسس هو أحد أبرز الأمثلة على هذه الازدواجية. فحين تمارس القوى الكبرى أنشطة استخباراتية واسعة النطاق، ينظر إليها باعتبارها جزءا طبيعيا من حماية الأمن القومي والدفاع عن المصالح الاستراتيجية. أما عندما توجّه اتهامات مماثلة إلى دولة مثل المغرب، فإن النقاش يأخذ منحى مختلفا تماما، بل ويتحول سريعا إلى قضية أخلاقية وسياسية.

لقد كشفت تسريبات إدوارد سنودن، قبل سنوات، حجم عمليات المراقبة التي مارستها الولايات المتحدة، حتى بحق أقرب حلفائها. كما أن امتلاك الدول الكبرى لقدرات سيبرانية واستخباراتية متقدمة لم يكن يوما سرا، بل يعد عنصرا أساسيا في موازين القوة الدولية. ومع ذلك، نادرا ما يؤدي ذلك إلى التشكيك في شرعية هذه الدول أو مكانتها.

لكن المشهد يتغير عندما يتعلق الأمر بالمغرب. فكلما أُعيد إحياء الاتهامات المرتبطة ببرنامج “بيغاسوس”، وهي اتهامات دأبت الرباط على نفيها، ناهيك على غياب أي أدلة ملموسة تدين المغرب بامتلاك هذا البرنامج، يتجاوز النقاش مسألة صحة الوقائع أو الأدلة ليصبح وكأن مجرد الاشتباه في امتلاك المغرب لقدرات استخباراتية متطورة يمثل مشكلة بحد ذاته.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل الاعتراض الحقيقي يتعلق بممارسة التجسس، أم بالجهة التي يعتقد أنها تمارسه؟

من الصعب إنكار أن الاستخبارات أصبحت أداة أساسية في إدارة العلاقات الدولية. فجميع الدول، دون استثناء تقريبا، تسعى إلى جمع المعلومات لحماية أمنها وتعزيز مصالحها. لذلك، فإن تصوير هذه الممارسات وكأنها حكر على بعض الدول دون غيرها يعكس نظرة غير متوازنة للنظام الدولي.

المغرب اليوم ليس هو الدولة التي كان عليها قبل عقود. فقد عزز حضوره الإقليمي، ووسع شراكاته الأمنية، واستثمر في تحديث مؤسساته وقدراته الدفاعية، وأصبح شريكا أساسيا في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود والهجرة غير النظامية. وهذه المكانة جعلته يحظى بثقة العديد من شركائه، لكنها في الوقت نفسه جعلته أكثر حضورا في النقاشات الدولية، وأحيانا أكثر عرضة للجدل.

والمفارقة أن الدول التي تشيد بكفاءة الأجهزة الأمنية المغربية عندما يتعلق الأمر بالتعاون الأمني، هي نفسها التي تبدي قدرا أكبر من الريبة عندما يطرح احتمال أن تستخدم تلك القدرات لخدمة المصالح الوطنية المغربية. وكأن المطلوب من الشريك أن يبقى مفيدا للآخرين، لا أن يمتلك أدوات قوة مستقلة.

لا يعني ذلك أن أي دولة يجب أن تكون بمنأى عن المساءلة أو النقد، فالتجسس، إذا ثبتت ممارساته بصورة غير قانونية، يظل موضوعا مشروعا للنقاش والمحاسبة. غير أن هذه المحاسبة تكتسب مصداقيتها فقط عندما تطبق بمعايير واحدة على الجميع، بعيدا عن الانتقائية أو ازدواجية الأحكام.

في نهاية المطاف، تكشف مثل هذه القضايا عن سؤال أعمق من مجرد الجدل حول برامج التجسس: هل يقبل النظام الدولي بأن تمتلك الدول الصاعدة الأدوات نفسها التي تعتبرها القوى الكبرى حقا مشروعا لنفسها؟ أم أن هناك حدودا غير معلنة لما يسمح لبعض الدول بامتلاكه؟

ربما تكمن الإجابة في أن النقاش لا يدور دائما حول التجسس نفسه، بقدر ما يدور حول من يسمح له بممارسة أدوات القوة، ومن يراد له أن يبقى مجرد شريك، لا لاعبا كامل الحقوق في معادلة العلاقات الدولية.

مشاهدة المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى