أخبار المغربزاوية الرأيسياسة

حين شربت الصحافة الإسبانية من الكأس نفسها وحياة الأمنيين الإسبان وخصوصيتهم لا تقل أهمية عن نظرائهم المغاربة

يبدو أن الكأس التي أرادت بعض المنابر الإسبانية أن تقدمها للمغرب عادت لتدور في الاتجاه المعاكس. فبعد أسابيع من التعامل مع تسريبات منسوبة إلى مجموعة “جبروت” باعتبارها مادة جاهزة للهجوم على المؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية، تجد إسبانيا نفسها أمام تسريبات ليست بعيدة أو مختلفة في طبيعتها، أي شديدة الحساسية، ويتعلق الأمر بتسريب ببيانات شخصية لعناصر من الحرس المدني والشرطة الوطنية والقوات المسلحة. وقد دفعت هذه المعطيات جمعية JUCIL (Asociación Profesional Justicia Guardia Civil يعني الجمعية المهنية للعدالة للحرس المدني الإسباني) إلى اللجوء إلى المحكمة الوطنية الإسبانية للمطالبة بالتحقيق في مصدر الملف وكيفية الحصول عليه وإعداده وتوزيعه. وهنا لا تكمن المفارقة في وقوع التسريب بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يُتعامل بها مع التسريبات عندما يكون المستهدف هو المغرب، مقارنة بالطريقة التي يُتعامل بها معها عندما تمس مؤسسات إسبانية.

المشكلة إذن ليست في حق الصحافة في تناول التسريبات، بل في معيار التعامل معها. فالصحافة الجادة لا تُقاس بكمية التسريبات التي تنشرها، وإنما بقدرتها على التمييز بين المعلومة التي تم التحقق منها، والادعاء الذي يحتاج إلى تحقيق، والوثيقة التي قد تكون مجتزأة أو مسربة عمدا لتحقيق غرض سياسي أو أمني. وعندما تتحول تسريبات مجهولة المصدر إلى أساس لاستنتاجات خطيرة حول أجهزة دولة بأكملها، فإن الصحافة تنتقل من دور المراقب إلى دور الفاعل في صناعة الرواية. وما يحدث اليوم في إسبانيا يذكر بأن البيانات الشخصية لعناصر الأمن ليست مجرد “مادة صحفية”، بل يمكن أن تتحول إلى أداة للمراقبة أو الاستهداف أو الابتزاز أو الهندسة الاجتماعية، وهي المخاطر نفسها التي يفترض أن تؤخذ بجدية عندما يتعلق الأمر بالمسؤولين والأمنيين المغاربة.

الأكثر إثارة للتساؤل هو أن هذا النقاش يجري بين بلدين يفترض أن علاقتهما الأمنية تقوم على الثقة والتعاون المتبادل. فإسبانيا نفسها دأبت، في مناسبات عديدة، على الإشادة بدور الأجهزة الأمنية المغربية في مساعدتها في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات الاتجار والهجرة غير الشرعية. وقد أصبح التعاون الأمني بين الرباط ومدريد عنصرا أساسيا في إدارة عدد من الملفات الحساسة التي تتجاوز الحدود. ومن ثم، فإن تقديم المؤسسات الأمنية المغربية بصورة سلبية استنادا إلى تسريبات لم تستكمل بشأنها كل عناصر التحقق لا ينسجم بسهولة مع الخطاب الرسمي الإسباني الذي يؤكد أهمية الشراكة الأمنية مع المغرب.

وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها: كيف يمكن الإشادة بالأمن المغربي عندما يقدم معلومات تساعد إسبانيا على حماية أمنها، ثم التعامل معه في بعض التغطيات الإعلامية كما لو أنه مصدر دائم للشك والاتهام؟ لا يعني ذلك أن المؤسسات الأمنية المغربية يجب أن تكون فوق النقد أو المساءلة، بل العكس تماما، فالمساءلة المهنية حق مشروع وضروري. لكن المساءلة شيء، وتحويل وثائق أو تسريبات غير مكتملة التحقق إلى أحكام قطعية شيء آخر. وإذا كانت مدريد تدرك اليوم، عندما يتعلق الأمر بأمنييها، أن تسريب البيانات قد يعرض الأشخاص وعائلاتهم للخطر، فمن المنطقي أن يُطبق المبدأ نفسه عندما يتعلق الأمر بأمنيين مغاربة.

ولعل الدرس الأهم الذي تحمله هذه القضية هو أن أمن المعلومات لا يعترف بالحدود ولا بالتحالفات ولا بالجنسية. البيانات التي يمكن أن تهدد سلامة شرطي إسباني يمكن أن تهدد سلامة شرطي مغربي، والمعلومات التي قد تُستخدم لاستهداف عائلة عنصر في الحرس المدني يمكن أن تُستخدم بالطريقة نفسها ضد عائلة عنصر أمني في المغرب. لذلك فإن تحويل التسريبات إلى سلاح سياسي قصير المدى قد يرتد على الجميع. وفي عالم أصبحت فيه المعلومات الشخصية موردا استراتيجيا، فإن المسؤولية تقتضي التعامل معها بأقصى درجات الحذر، لا البحث عن الزاوية الأكثر إثارة لخدمة سردية سياسية جاهزة.

لذلك، ربما يكون ما حدث في إسبانيا فرصة لمراجعة أوسع، وليس مناسبة لتبادل الاتهامات. المطلوب من الإعلام الإسباني، كما من أي إعلام مهني، هو اعتماد المعيار نفسه في جميع الحالات: التحقق من المصدر، فحص الوثائق، اختبار صحة الادعاءات، التمييز بين الوقائع والاستنتاجات، وتجنب نشر ما قد يعرض أشخاصا للخطر دون مبرر مهني واضح. كما أن المطلوب من المؤسسات السياسية والأمنية هو عدم استغلال التسريبات انتقائيا بحسب الجهة التي تستهدفها. فإذا كانت حماية الأمنيين الإسبان وخصوصيتهم قضية أمن قومي، فإن احترام أمن وخصوصية نظرائهم المغاربة يجب ألا يصبح قضية ثانوية عندما تكون القصة أكثر جاذبية سياسيا.

في النهاية، ربما تكون المفارقة أن من حاول تقديم “الكأس المسمومة” للمغرب وجد نفسه يشرب منها. لكن الحكمة هنا ليست في الاحتفال بتعثر الطرف الآخر، بل في إدراك أن منطق التسريبات غير المتحقق منها يمكن أن يرتد على الجميع، وأن أمن المغرب وإسبانيا ليسا قضيتين متعارضتين بقدر ما هما جزء من فضاء أمني متداخل. وإذا كانت مدريد تعترف بالدور الذي يؤديه الأمن المغربي في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، فإن احترام هذا الدور يقتضي أيضا احترام القواعد المهنية نفسها عند تناول أي معلومات مسربة تخص مؤسساته. فالمعيار المهني لا ينبغي أن يتغير بتغير الضفة، والحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة عندما يكون المستهدف هو المغرب، ولا أقل خطورة عندما يصل التسريب إلى إسبانيا.

مشاهدة المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى