زاوية الرأيأخبار المغرب

بعد أزمة سبتة.. شهر كامل والمغرب في مرمى الإعلام الإسباني ووحدها “El País” خصصت للمملكة المغربية أكثر من 100 مقال خلال الفترة نفسها

لم تنته أزمة سبتة المحتلة بانحسار موجة الهجرة الجماعية التي هزت المدينة يومي 30 و31 يوليوز. فبعد أن هدأت الحركة على الحدود، بدأت معركة أخرى، هذه المرة على صفحات الصحف الإسبانية. من المسؤول عما حدث؟ وما هو الدور الذي لعبه المغرب؟ وهل كانت الرباط شريكا في احتواء الأزمة أم طرفا فيها؟

بين 31 يوليوز و31 غشت 2026، ظل اسم المغرب حاضرا بقوة في الإعلام الإسباني، إلى درجة أن بعض الصحف كثفت صفحاتها وموادها الخاصة بالمغرب، بينما استمرت التغطية في الارتفاع مع كل تطور جديد مرتبط بسبتة ومليلية والهجرة والعلاقات مع الرباط.

ويكفي النظر إلى أرشيف صحيفة “El País” لرصد حجم هذا الحضور. فصفحة “Marruecos” في الصحيفة تضم خلال هذه الفترة أكثر من مائة مادة مرتبطة بالمغرب، مع استمرار تدفق الأخبار والتحليلات والمقالات طوال شهر غشت. ولا يعني هذا الرقم أن أكثر من مائة مقال كانت كلها مخصصة للأزمة، لكنه يعطي مؤشرا واضحا على حجم الحضور الإعلامي للمغرب خلال فترة قصيرة.

أما “La Vanguardia”، فقد أظهرت بدورها كثافة لافتة في التغطية. ويمكن رصد ما لا يقل عن 21 مادة في صفحة الموضوع خلال الفترة محل الدراسة، فضلا عن مواد أخرى ظهرت خارج الصفحة الموضوعية، تناولت التعاون الأمني والهجرة والحدود والعلاقات المغربية الإسبانية.

ولم تكن الصحف الأخرى بعيدة عن هذا المسار. ففي “El Españo”l، ظهر المغرب في عناوين مباشرة وحادة، ففي 3 غشت نشرت الصحيفة افتتاحية بعنوان “Ceuta, a merced de Marruecos”، أي “سبتة تحت رحمة المغرب”، في إشارة إلى ما اعتبرته الصحيفة هشاشة الموقف الإسباني أمام الرباط.

وفي 4 غشت، نشرت الصحيفة نفسها تقريرا عن الدعوات التي انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولة جديدة للعبور في 15 غشت، وكان عنوانه يتضمن صراحة عبارة “من المغرب”. ثم عادت الصحيفة في 25 غشت إلى لهجة أكثر حدة في مادة حملت عنوانا لافتا: “Marruecos se quita la careta con Ceuta”، أي “المغرب ينزع القناع عن سبتة”، وربطت ذلك بالمطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية.

أما “La Razón”، فقد ركزت كذلك على دور المغرب في الأزمة وعلى العلاقة بين الهجرة والملفات السيادية، فنشرت مواد حول ثقة الحكومة الإسبانية في التعاون المغربي لمنع موجة جديدة، كما تناولت التصريحات المغربية حول مستقبل سبتة ومليلية.

وهنا تظهر مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض المقالات الصحفية والسياسية الإسبانية تقدم المغرب باعتباره الطرف الذي سمح، أو غض الطرف، عن موجة الهجرة الأولى، كانت الصحف نفسها تنقل في منتصف غشت الدور الأمني الكبير الذي لعبته الأجهزة المغربية لمنع موجة ثانية.

في 14 غشت، مثلا، كتبت “La Vanguardia” أن المغرب عزز وجوده الأمني في محيط الفنيدق تحسبا لمحاولة دخول جماعي جديدة في اليوم الموالي. وفي 15 غشت، نشرت الصحيفة تغطية مباشرة للحدث، مشيرة إلى قيام الشرطة المغربية بإبعاد مئات الأشخاص الذين اقتربوا من الحدود، وإلى طرد صحفيين من وكالة “EFE” و”TVE” من الفنيدق.

وفي اليوم نفسه، نقلت El Español توقيف القوات المغربية عددا من الأشخاص أثناء محاولتهم العبور بشكل غير نظامي نحو سبتة.

وبذلك دخل المغرب مرحلة ثانية من التغطية الإعلامية. ففي نهاية يوليوز كان السؤال المطروح في جزء من الإعلام الإسباني: أين كان المغرب عندما اندفع المهاجرون نحو سبتة؟

وبعد 15 غشت أصبح السؤال، كيف تمكن المغرب من منع موجة جديدة؟

هذا التحول مهم لأنه يكشف أن صورة المغرب في الإعلام الإسباني لم تكن أحادية. فقد ظهر في بعض المواد كطرف يتهم بالتقصير أو بالتساهل، وفي أخرى كقوة أمنية ضرورية لحماية الحدود الأوروبية.

غير أن الخطاب الأكثر حدة لم يختفِ. ففي “El País”، ظهرت مقالات تربط أزمة سبتة بالملفات السياسية العالقة بين البلدين، ولا سيما وضع سبتة ومليلية. كما تناولت الصحيفة في نهاية الشهر تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسبانية بشأن احتمال زيادة ما تسميه “الأعمال العدائية في المنطقة الرمادية”، بما في ذلك التضليل والهجمات السيبرانية وأشكال أخرى من الضغط غير المباشر. وفي المقابل، قدمت الصحيفة نفسها في مواد أخرى صورة مختلفة تماما، من خلال التأكيد على أهمية التعاون المغربي الإسباني في إدارة الأزمة، ونقل مواقف رسمية إسبانية تعتبر هذا التعاون “لا غنى عنه”. وهذا التناقض ليس تفصيلا هامشيا، بل ربما أهم ما يكشفه الرصد الإعلامي لشهر غشت.

فالمغرب لم يكن حاضرا في الصحافة الإسبانية باعتباره مجرد بلد منشأ للمهاجرين، وإنما تحول إلى فاعل سياسي وأمني واستراتيجي في معظم النقاشات المتعلقة بأزمة سبتة. مرة باعتباره مسؤولا عن الحدود، ومرة باعتباره حارسا لها، ومرة باعتباره طرفا يضغط من أجل تعزيز مطالبه حول سبتة ومليلية المحتلتين، ومرة باعتباره شريكا لا تستطيع مدريد الاستغناء عنه.

من التغطية إلى الاتهام

الأهم من عدد المقالات هو طبيعة اللغة المستخدمة. فبعض المواد اكتفت بنقل الأحداث ومواقف المسؤولين، لكن مواد أخرى استخدمت عبارات أكثر حدة، وربطت المغرب مباشرة بالأزمة أو قدمته باعتباره مصدر تهديد محتمل للسيادة الإسبانية. وتبرز هنا “El Español” بصورة واضحة، من خلال عناوين مثل “سبتة تحت رحمة المغرب” و”المغرب ينزع القناع عن سبتة”.

كما ظهرت في صحف أخرى مقالات وتحليلات تربط بين الهجرة والضغط السياسي، وبين الأزمة الحالية والملفات السيادية القديمة.

15 غشت.. الموجة الثانية من الهجرة غير الشرعية

إذا كانت أحداث نهاية يوليوز قد صنعت الموجة الأولى، فإن 15 غشت شكل نقطة تحول ثانية. فالدعوات التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم دخول جماعي جديد إلى سبتة أعادت المغرب إلى واجهة الأخبار. وفي الأيام التي سبقت 15 غشت، امتلأت الصحافة الإسبانية بالأخبار المتعلقة بالانتشار الأمني المغربي، والاستعدادات الإسبانية، والتخوف من تكرار سيناريو نهاية يوليوز.

وعندما جاء يوم 15 غشت ولم تتكرر موجة يوليوز بالحجم نفسه، تحول الاهتمام سريعا إلى أداء السلطات المغربية. وهكذا أصبحت الرباط مرة أخرى جزءا مركزيا من القصة، لكن هذه المرة باعتبارها الجهة التي حالت دون تكرار الأزمة.

تؤكد عملية الرصد، التي قمنا بها بمساعدة الذكاء الاصطناعي لعد المقالات، وجود موجة إعلامية إسبانية واسعة ومكثفة تجاه المغرب خلال شهر غشت، تخللتها مواد كثيرة ذات طابع نقدي أو اتهامي، خصوصا في ما يتعلق بأزمة سبتة والهجرة والحدود والسيادة.

لكن هذه المعطيات لا تكفي للقول بوجود “حملة منظمة” أو تنسيق بين مختلف وسائل الإعلام، لكن مهنيا هو الحديث عن ضغط إعلامي قوي على صورة المغرب في إسبانيا، اختلفت حدته من صحيفة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى. فالمغرب لم يعد مجرد طرف في أزمة هجرة، بل أصبح محورا في النقاش الإسباني حول الأمن والحدود والسيادة والعلاقات الثنائية. وبذلك تحولت أزمة سبتة من مواجهة على الحدود إلى معركة موازية حول الرواية والصورة والمسؤولية.

والسؤال الذي يبقى مفتوحا هو: هل كانت هذه التغطية مجرد انعكاس طبيعي لأزمة استثنائية، أم أنها ساهمت بدورها في تشكيل صورة أكثر سلبية عن المغرب لدى الرأي العام الإسباني؟

مشاهدة المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى