بين سقوط الخطاب وانكشاف التناقضات: الحيجاوي وجيراندو في مواجهة أزمة المصداقية

في زمن أصبحت فيه الكاميرا أقوى من كثير من المنابر التقليدية، لم يعد كل من يرفع شعار “محاربة الفساد” بالضرورة يسعى إلى الإصلاح. فقد أفرز الفضاء الرقمي نماذج جعلت من الإثارة والتشهير والاتهامات المتكررة وسيلة لبناء جمهور وتحقيق النفوذ، بل وتحويل الجدل إلى مصدر للدخل. وفي هذا السياق، يبرز اسما المهدي الحيجاوي وهشام هراندو باعتبارهما نموذجا يثير كثيرا من الجدل، خاصة بعد سلسلة التسريبات والتسجيلات التي نشرت خلال الفترة الأخيرة.
فبحسب ما يتم تداوله من تسجيلات، فإن الصورة التي حاول الثنائي رسمها لنفسيهما باعتبارهما مدافعين عن محاربة الفساد تعرضت لاهتزاز كبير، بعدما تضمنت التسريبات معطيات تشير إلى وجود تناقض واضح بين الخطاب المعلن والممارسات المنسوبة إليهما. كما أن الشكايات القضائية المتعددة التي يقال إنها مرفوعة ضدهما زادت من حجم التساؤلات حول طبيعة النشاط الذي يمارسانه عبر المنصات الرقمية.
ومن أكثر الجوانب التي أثارت الانتباه، ما يتداول بشأن الخلافات العائلية المحيطة بالنصاب المهدي الحيجاوي، خاصة بعد التصريحات الأخيرة التي فجرها لابنه، والتي قدمت باعتبارها شهادة قاسية في حق والده، متهمة إياه بسوء المعاملة واستغلال أقرب المقربين إليه. وبغض النظر عن تفاصيل هذه الخلافات التي تبقى في النهاية شأنا عائليا، فإن خروجها إلى العلن ألقى بظلاله على الصورة التي يحاول الرجل تقديمها للرأي العام.
أما السرباي هشام هراندو، فقد وجد نفسه، وفق مضمون التسريبات المتداولة، في موقع التابع أكثر من القائد، حيث بدا وكأنه ينفذ توجيهات الحيجاوي، بينما يتحمل وحده تبعات المواجهات القضائية وما يرافقها من غرامات ومصاريف قانونية باهظة. وتشير هذه المعطيات إلى علاقة غير متوازنة، تظهر أن المستفيد الأكبر منها هو الموظف السابق بجهاز “لا دجيد” الحيجاوي، في مقابل تزايد الضغوط على هراندو بصفته منفذ لا أقل ولا أكثر.
كما سلطت التسجيلات المتداولة الضوء على ما وصف بتناقض واضح في الخطاب، إذ يظهر هشام في بعض الأحيان داعيا إلى التصعيد ضد مؤسسات الدولة، بينما تكشف التسجيلات نفسها، عن محاولات للبحث عن وساطات لدى مسؤولين قضائيين وإداريين من أجل إيجاد حلول للشكايات المرفوعة ضده وتأمين عودته إلى المغرب. وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى انسجام الخطاب المعلن مع الممارسات الواقعية.
وفي السياق نفسه، أثارت بعض التسريبات حديثا عن تدخلات مزعومة للحصول على امتيازات أو خدمات إدارية بطرق لا تنسجم مع مبدأ تكافؤ الفرص، من بينها ما يتعلق بطلب منحة دراسية، إضافة إلى اتهامات أخرى بالتوسط لفائدة أقارب في ملفات مرتبطة بالتعليم. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس تناقضا بين الشعارات التي يرفعها أصحابها وبين السلوك المنسوب إليهم.
كما تناولت التسريبات ما قيل إنه تخوف من ذكر اسم المهدي الحيجاوي بشكل مباشر في بعض الفيديوهات، وهو ما فسر بأنه محاولة لتجنب تبعات قانونية أو مؤسساتية، الأمر الذي يناقض الصورة التي يسعى إلى ترسيخها باعتباره شخصية لا تخشى المواجهة.
إن الجدل الدائر حول الحيجاوي وهراندو لا يتعلق فقط بالمحتوى الذي يقدمانه عبر المنصات الرقمية، وإنما أيضا بالمصداقية ومدى التوافق بين الخطاب والممارسة. فكلما تعددت الاتهامات والتناقضات والتسريبات، أصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام عن حقيقة المشروع الذي يقدمانه، وهل يتعلق الأمر فعلا بمشروع لمحاربة الفساد، أم أنه مجرد وسيلة لتصفية الحسابات وتحقيق مصالح خاصة تحت غطاء الشعارات؟
إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود معارضة أو انتقاد للسلطة، فذلك حق مشروع في أي نقاش عام، وإنما في أن يتحول هذا الحق إلى وسيلة للإثارة المستمرة أو لتصفية الحسابات أو لتحقيق مكاسب خاصة، بينما يقدم للرأي العام على أنه نضال من أجل المصلحة العامة.
اليوم، لم يعد السؤال هو من يهاجم أكثر، بل من يملك من المصداقية ما يكفي ليحاسب الآخرين. فحين يصبح صاحب الخطاب نفسه محاطا بالجدل والاتهامات والتناقضات، فإن أول ما يفقده هو الثقة، وهي رأس المال الحقيقي لأي فاعل إعلامي أو سياسي.
وفي النهاية، يبقى القضاء والجهات المختصة وحدها صاحبة الكلمة الفصل في كل الادعاءات المتداولة. أما الرأي العام، فمن حقه أن يطالب بالشفافية، وأن يخضع كل خطاب، مهما كانت شعاراته، لميزان واحد: الانسجام بين الأقوال والأفعال.






