أخبار المغربزاوية الرأي

بين الشعبوية الرقمية واستنساخ الأزمات… قراءة في خطاب هشام جيراندو

ليست المشكلة في اختلاف الآراء أو في توجيه النقد للمؤسسات، فذلك جزء من أي نقاش عمومي. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخطاب من طرح البدائل إلى الاستثمار في التأزيم، ومن النقد إلى التحريض، ومن استحضار الوقائع إلى تسويق الأمنيات وكأنها حقائق قابلة للتحقق.

في هذا السياق، يثير خطاب الفار من العدالة هشام جيراندو أكثر من علامة استفهام. فمن يتابع مساره يلاحظ انتقاله التدريجي من خطاب يرفع شعارات محاربة الفساد ويعلن التشبث بالوطن والمؤسسات، إلى خطاب يتجه شيئا فشيئا نحو مهاجمة مختلف مؤسسات الدولة، وصولا إلى تبني خطاب تصعيدي يراهن على إضعاف الثقة في ركائز الاستقرار.

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في المواقف، بل انتقال من خطاب إصلاحي معلن إلى خطاب يقوم على تأجيج الاحتقان. فبعد أن ركز على مهاجمة القضاء، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل المؤسسات الأمنية، ثم المؤسسة الملكية، قبل أن يصل إلى الدعوة إلى الاحتجاجات العنيفة ومواجهة قوات الأمن، وهو منحى يبتعد عن النقاش السياسي المسؤول ويقترب من منطق التصعيد.

ولعل أحدث تجليات هذا الخطاب يتمثل في حديثه عن إمكانية نقل احتجاجات جيل “زد” التي عرفتها الهند إلى المغرب، وكأن المجتمعات نسخ متطابقة يمكن استيراد تجاربها بضغطة زر أو بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا التصور يغفل اختلافات جوهرية بين البلدين. فالهند تواجه تحديات اجتماعية وديمغرافية وثقافية معقدة، تتمثل في كثافة سكانية هائلة، وتفاوتات اجتماعية كبيرة، وتعدد واسع في اللغات والديانات والإثنيات، وهي عوامل تجعل سياقها مختلفا تماما عن السياق المغربي.

أما المغرب، فرغم ما يواجهه من تحديات حقيقية، فإنه يسير في مسار إصلاحي يقوم على توسيع الحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، إلى جانب مشاريع اقتصادية وبنيات تحتية كبرى تهدف إلى تعزيز التنمية وجذب الاستثمار. وهذه الأوراش لا تعني أن كل المشكلات قد حلت، لكنها تعكس وجود مسار إصلاحي قائم، يختلف عن الصورة التي يحاول البعض تقديمها.

كما أن خصوصية النظام السياسي المغربي تكمن في قدرته على التكيف مع المتغيرات وإطلاق إصلاحات تدريجية كلما دعت الحاجة، وهو ما ساهم في الحفاظ على قدر مهم من الاستقرار في محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب.

لذلك، فإن الرهان على استيراد نماذج احتجاجية من بيئات تختلف جذريا عن الواقع المغربي لا يبدو سوى تعبير عن رغبة في إسقاط سيناريوهات خارجية على مجتمع له خصوصياته السياسية والاجتماعية والثقافية. فالأزمات لا تستنسخ، كما أن الاستقرار لا يقاس بالشعارات ولا بعدد المشاهدات على المنصات الرقمية.

في نهاية المطاف، يبقى النقد المسؤول ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى التطور، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى خطاب قائم على التهويل أو التعميم أو الرهان على الفوضى باعتبارها طريقا للتغيير. فالمجتمعات تبنى بالحوار والإصلاح والعمل، لا باستيراد تجارب الآخرين أو بتغذية الانقسام لتحقيق مكاسب إعلامية أو سياسية.

مشاهدة المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى