حين تتحول الشائعة إلى قارب موت: كيف يغذي الفضاء الرقمي الهجرة غير النظامية؟

لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد نتيجة للفقر أو البطالة أو انسداد الآفاق، بل أصبحت في كثير من الأحيان ثمرة حملات تضليل رقمي منظمة تستغل هشاشة الأفراد وتطلعاتهم إلى حياة أفضل. فقد أفرزت الثورة الرقمية، إلى جانب مزاياها العديدة، فضاء مفتوحا أمام الأخبار الزائفة والإشاعات والتأويلات المغلوطة، التي قد تدفع آلاف الأشخاص إلى اتخاذ قرارات مصيرية مبنية على الوهم بدل الحقيقة.
وتبرز الأحداث الأخيرة التي عرفتها نقط العبور نحو سبتة ومليلية مثالا واضحا على هذا التحول. فوفق المعطيات التي قدمتها وزارة الداخلية، بشأن أحداث سبتة المحتلة، لم تكن تلك التحركات عفوية أو وليدة لحظة، بل جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل، في مقدمتها استغلال الفضاء الرقمي لنشر معلومات مضللة، إلى جانب نشاط شبكات الاتجار بالبشر، وسوء فهم بعض المعطيات القانونية والإدارية المتعلقة بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي.
لقد انتشرت، عبر منصات التواصل الاجتماعي، روايات تزعم سهولة العبور وإمكانية الوصول إلى الضفة الأخرى دون عواقب قانونية، بل إن بعض التأويلات الخاطئة لقرارات قضائية إسبانية عززت هذا الاعتقاد لدى عدد من الراغبين في الهجرة. وسرعان ما تحولت هذه الرسائل الرقمية إلى موجة تعبئة واسعة دفعت آلاف الأشخاص إلى خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر، معتقدين أن النجاح أقرب من الفشل، وأن البحر أصبح طريقا آمنا نحو أوروبا.
غير أن الواقع كان أكثر قسوة. فقد أظهرت الأحداث أن الشائعة قد تكون أشد خطرا من البحر نفسه. فالذين صدقوا تلك الروايات وجدوا أنفسهم في مواجهة أمواج لا ترحم ومخاطر لم يدركوا حجمها إلا بعد فوات الأوان، وهو ما أسفر عن وقوع حالات وفاة غرقا وأخرى نتيجة السقوط في المناطق الصخرية. إنها مأساة تؤكد أن التضليل الرقمي لا يقتصر على نشر معلومة خاطئة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في تعريض حياة البشر للخطر.
ولا يمكن، في المقابل، إغفال الدور الذي تلعبه شبكات الاتجار بالبشر، التي تستثمر في انتشار الإشاعات وتغذيها كلما سنحت الفرصة. فكل معلومة مضللة تنتشر، وكل أمل زائف يباع عبر شاشة هاتف، يمثل فرصة جديدة لهذه الشبكات لاستقطاب ضحايا جدد وتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب معاناة الإنسان.
إن خطورة هذه الظاهرة تفرض التعامل معها باعتبارها تحديا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الجانب الأمني وحده. فمواجهة الهجرة غير النظامية تستوجب أيضا بناء وعي رقمي يجعل المواطن قادرا على التمييز بين الخبر الصحيح والإشاعة، وتعزيز التربية الإعلامية، وتسريع نشر المعلومات الرسمية، ومحاسبة كل من يتعمد نشر أخبار كاذبة أو التحريض على سلوكيات تعرض حياة الآخرين للخطر، في إطار احترام القانون وضمان حرية التعبير.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الهاتف الذكي قد يصبح، في لحظة، وسيلة لإنقاذ الأرواح إذا استخدم لنشر المعرفة الصحيحة، كما قد يتحول إلى أداة خطيرة إذا استغل لترويج الوهم. ومن هنا، فإن المعركة ضد الهجرة غير النظامية لم تعد تخاض فقط على الحدود، بل أصبحت تخاض أيضا داخل الفضاء الرقمي، حيث تتشكل القناعات، وتصنع القرارات، وقد تحسم مصائر آلاف الأشخاص بكبسة زر. ولذلك فإن الاستثمار في الوعي الرقمي، ومكافحة التضليل، وتجفيف منابع الأخبار الزائفة، أصبح اليوم جزءا لا يتجزأ من حماية الإنسان قبل حماية الحدود.






