عندما يصبح نجاح المغرب تهمة

هناك مفارقة تستحق التوقف عندها: فكلما حقق المغرب خطوة جديدة على طريق التنمية أو عزز موقعه على الساحة الدولية، ارتفعت في المقابل أصوات تحاول التقليل من هذا النجاح أو التشكيك في دوافعه. وكأن الإنجاز، في نظر البعض، لا يمكن أن يكون ثمرة عمل وتخطيط واستثمار طويل الأمد، بل لا بد أن يكون نتيجة “صفقة” أو “ترتيب خفي” أو “مؤامرة”.
هذا النمط من الخطاب لم يعد استثناء، بل أصبح يتكرر بصورة تكاد تكون نمطية. فما إن يحقق المغرب مكسبا دبلوماسيا، أو يستقطب استثمارا استراتيجيا، أو ينجح في تنظيم حدث دولي، حتى تنطلق حملات تسعى إلى إعادة صياغة الوقائع بما يخدم روايات مسبقة، بعيدا عن منطق الأدلة والحقائق. وفي زمن الإعلام الرقمي، أصبحت هذه الروايات تنتشر بسرعة، مستفيدة من قوة منصات التواصل الاجتماعي التي تمنح الإشاعة أحيانا سرعة تفوق سرعة الحقيقة.
النقاش الدائر حول احتمال احتضان المغرب للمباراة النهائية لكأس العالم 2030 يقدم مثالا واضحا على ذلك. فبدل أن ينصب الاهتمام على جاهزية البنية التحتية، وحجم الاستثمارات المنجزة، والتطور الذي عرفته المملكة المغربية في قطاع النقل والرياضة والسياحة، اختار البعض القفز مباشرة إلى الحديث عن “صفقات” مزعومة، من دون تقديم أي معطيات أو أدلة يمكن البناء عليها.
والحال أن آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم تقوم على مؤسسات ولجان وإجراءات تصويت معروفة، ولا تختزل في إرادة دولة واحدة أو نفوذ طرف بعينه. ومن ثم، فإن تصوير مثل هذه القرارات على أنها نتيجة تدخل منفرد لا يعكس طبيعة عمل المؤسسات الرياضية الدولية بقدر ما يعكس رغبة في تقديم تفسير ينسجم مع قناعة مسبقة.
لا أحد يدعي أن المغرب بلغ الكمال، ولا أن مساره يخلو من التحديات. فهناك ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية لا تزال تتطلب مزيدا من العمل والإصلاح. غير أن الاعتراف بوجود هذه التحديات لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإنكار ما تحقق فعلا على أرض الواقع. فالتمييز بين النقد الموضوعي والتشكيك المجرد يظل ضروريا للحفاظ على نقاش عام يقوم على الوقائع لا على الانطباعات.
لقد اختار المغرب، خلال العقود الأخيرة، الاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع شبكات النقل، وتعزيز جاذبيته الاقتصادية، وتنويع شراكاته الدولية. وهذه الخيارات لم تحقق نتائجها بين ليلة وضحاها، بل جاءت ثمرة رؤية ممتدة واستثمارات تراكمية وسياسات عمومية استغرقت سنوات حتى بدأت تؤتي ثمارها.
ولعل ما يفسر تصاعد حملات التشكيك هو أن المغرب لم يعد مجرد متابع للأحداث، بل أصبح حاضرا في ملفات إقليمية ودولية مؤثرة، وشريكا تتقاطع معه مصالح عدد متزايد من الدول والمؤسسات. وهذه المكانة، بطبيعتها، تضعه تحت مجهر المؤيدين والمنتقدين على حد سواء.
في النهاية، لا تصنع الدول مكانتها بالشعارات، ولا تحافظ عليها بالدعاية، وإنما بما تنجزه على أرض الواقع. وقد تختلف الآراء حول السياسات والخيارات، وهذا أمر طبيعي، لكن الوقائع تبقى أقوى من التأويلات، والإنجازات الملموسة أكثر قدرة على الصمود من الروايات التي تولد مع كل نجاح ثم تتراجع أمام اختبار الزمن.






