أخبار المغربزاوية الرأي

في زمن الأزمات تسقط الأقنعة ويصبح المغرب هو الخصم

الأزمات الكبرى لا تختبر صلابة الدول وحدها، بل تكشف أيضا معدن النخب والأفراد، وتضع المواقف أمام امتحان لا تنفع معه الشعارات ولا البيانات المنمقة. ففي زمن الهدوء، يستطيع الجميع أن يتحدث عن الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن يرفع سقف انتقاد الدولة ومؤسساتها، وهذا حق لا ينبغي مصادرته. لكن حين تهب العاصفة، وحين تصبح السيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية للمغرب في مواجهة مباشرة مع روايات وضغوط خارجية، يظهر سؤال أكثر قسوة: هل نحن أمام معارضة، أفضل كلمة معاردة، تريد إصلاح الوطن، أم أمام خصومة أصبح الوطن نفسه أحد أطرافها؟ فهناك فرق شاسع بين أن تعارض حكومة، وأن تجعل من الدولة خصما دائما، وبين أن تكشف اختلالا، وأن تتحول إلى منصة لا ترى في المغرب إلا ما يمكن إدانته.

ولعل الأزمات المرتبطة بأحداث سبتة المحتلة والهجرة غير الشرعية قدمت نموذجا صارخا لهذه المفارقة. ففي الضفة الأخرى من المتوسط، يمكن للسياسي أن يختلف مع حكومته وأن يخوض ضدها أشرس المعارك، لكنه يعرف متى تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية. وعندما يتعلق الأمر بملفات الحدود والأمن والمصالح الاستراتيجية، تتراجع الخلافات الداخلية لتفسح المجال لمنطق الدفاع عن البلد. قد تكون الرواية الإسبانية منحازة، وقد تتضمن مبالغات أو تأويلات تخدم أجندة سياسية، لكن ذلك بالضبط هو سلوك الدول، أي الدفاع عن مصالحها وتقديم روايتها بأقصى ما تستطيع. أما المفارقة المؤلمة فتظهر حين نجد مغاربة يبدون أحيانا أكثر حماسة لترديد رواية الطرف الآخر من حماسة ذلك الطرف نفسه، وكأن الدفاع عن المغرب أصبح تهمة، وكأن الاعتراف بأن للبلد مصالح مشروعة موقف يحتاج إلى تبرير واعتذار.

المشكلة ليست في أن ينتقد أحد المغرب، فالمغرب ليس فوق النقد ولا الحكومة فوق المساءلة ولا المؤسسات فوق المحاسبة. المشكلة في أن يتحول النقد إلى بوصلة أحادية الاتجاه، كل ما يصدر عن المغرب يستقبل بالريبة وكل ما يصدر عن خصومه يستقبل بحسن الظن، وتصبح أخطاء الدولة دليلا على طبيعتها، بينما أخطاء الطرف الآخر تصبح مجرد تفاصيل. فالرواية المغربية تحتاج دائما إلى إثبات، أما الرواية المقابلة فتعامل أحيانا كأنها حقيقة مكتملة.

هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف سياسي، بل يصبح سؤالا مشروعا عن الموضوعية نفسها. فالناقد الحقيقي لا يحتاج إلى تشويه بلده كي يثبت استقلاليته، ولا يحتاج إلى منح الخارج صك البراءة كي يثبت أنه معارض، ولا ينبغي أن يكون الولاء للحقيقة مشروطا بأن تكون الحقيقة دائما ضد المغرب.

ومن هذه الزاوية، يحق للرأي العام المغربي أن يناقش خطابات أسماء حاضرة بقوة في المشهد الرقمي والإعلامي، من المعطي منجب وسليمان الريسوني وفؤاد عبد المومني إلى حميد المهداوي وهشام جيراندو باعتبارهم أصحاب مواقف عامة قابلة للنقد والمساءلة. ومن حق المغاربة أن يسألوا لماذا يبدو المغرب في بعض هذه الخطابات مسؤولا بصورة شبه دائمة، حتى في الملفات المعقدة التي تتداخل فيها مسؤوليات أطراف متعددة؟ ولماذا تتكرر القسوة على المؤسسات المغربية إلى درجة يصبح معها مجرد البحث عن عناصر القوة في الموقف المغربي أمرا نادرا؟ إن طرح هذه الأسئلة ليس تخوينا، بل هو عين النقاش العمومي الذي يفترض أن يكون مفتوحا للجميع، فمن يطلب حقه في انتقاد الدولة لا يستطيع، في الوقت نفسه، أن يطلب حصانة من انتقاد المواطنين لمواقفه.

الوطن، في نهاية المطاف، ليس حكومة ولا حزبا ولا مسؤولا بعينه. يمكن أن نختلف مع الحكومة، وأن نرفض سياساتها، وأن نطالب بتغييرها، وأن ننتقد المؤسسات بأشد العبارات، دون أن يتحول ذلك إلى رغبة في إضعاف البلد أو الانتقاص من مصالحه أمام الخارج. الوطنية الناضجة لا تعني أن نردد ما تقوله الدولة، كما أن الديمقراطية لا تعني أن نصدق كل ما يقوله خصوم الدولة. الوطني الحقيقي يستطيع أن يقول للمؤسسة أخطأت، وسأحاسبك، لكنه يستطيع أيضا أن يقول للطرف الخارجي: أخطأت، ولن أجعل من خلافاتي الداخلية مع بلدي هدية مجانية لك. أما أن يصبح كل انتصار للبلد موضع شك، وكل موقف خارجي فرصة جديدة للهجوم عليه، وكل أزمة مناسبة لتجديد خطاب جلد الذات، فهنا تتحول المعارضة من وسيلة للإصلاح إلى غاية قائمة بذاتها.

لقد آن الأوان للتمييز بين من يعارض الدولة لأنه يريد دولة أفضل، ومن يعارض الدولة حتى لو كان الثمن إضعاف صورة البلد ومصالحه. الأول ضروري لأي مجتمع حي، والثاني لا يخدم لا الديمقراطية ولا حقوق الإنسان ولا حتى المعارضة نفسها. فالمعارضة التي تفقد إحساسها بالمصلحة الوطنية تتحول، من حيث لا تدري إلى مجرد رد فعل، والصحافة التي تبحث دائما عن أسوأ صورة للمغرب تفقد شيئا من وظيفتها النقدية والناشط الذي يرى في كل مؤسسات بلده خصما، بينما يمنح الخارج دائما حسن النية، يحتاج قبل غيره إلى مراجعة أدواته ومعاييره. ليس المطلوب من أحد أن يصفق للمغرب، وإنما المطلوب ألا يتحول كره السياسات إلى كراهية للبلد، وألا تصبح الرغبة في إسقاط خطاب رسمي سببا في تبني خطاب خارجي دون تمحيص.

في الأزمات تحديدا، لا تقاس الوطنية بعدد الأعلام التي نرفعها ولا بعدد الشعارات التي نرددها، وإنما بقدرتنا على الحفاظ على التوازن، أي أن نرى أخطاء بلدنا من دون أن نغفل مصالحه وأن نطالب بالإصلاح من دون أن نمنح خصومه تفويضا مفتوحا لإدانته، وأن ندافع عن الحقوق والحريات دون أن ننسى أن للمغرب أيضا حقا في الدفاع عن سيادته ومصالحه. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحا ليس هو من مع الحكومة ومن ضدها؟ بل سؤال أكثر عمقا وإزعاجا، يعني من يعارض السلطة لأنه يريد مغربا أقوى ومن جعل من معارضة المغرب نفسه مشروعا لا ينتهي؟ ففي لحظات الشدة، تسقط الأقنعة، وتبقى المواقف شاهدة على أصحابها.

مشاهدة المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى